م 13

في الثامن من مارس ايضا , لعام 2020 و الذي كان يصادف يوم أحد ..

بعد القرارات الحكومية التي سبق ذكرها , عاد زوجي من العمل مساءً و هكذا اكتملت عائلتي الصغيرة
أنا و زوجي و طفلان مشاغبان أحدهما في الخامسة او ربما في السادسة من عمره – و ذلك لأن يوم ميلاده الشهر القادم –
و الآخر في السنة الثالثة من عمره ..

و هنا ادركت عزيزي القارئ , أنني الأنثى الوحيدة في هذا المنزل !

هل تساءلت عما إذا كان فايروس كورونا ذكرا ام أنثى ؟! حسنا أنا فعلت ! لكنني لست متيقنة من ان للفايروسات جنسا بالأصل !

مايهم الآن , في اليوم الثامن من مارس ..
هو أنني لم أذهب للسوبرماركت , حيث ان الفيديوهات التي وصلتني كانت مرعبة , تدافع الناس و ازدحامهم و شراء كل مايمكن ان تطاله ايديهم ..
و فضلت المكوث بالبيت حتى تهدأ عاصفة التسوق , و حمدا لله أنني فعلت ..
إذ ان الحكومة اصدرت بيانا بعدها أنه و رغم إغلاق المنافذ و منع الخروج و الدخول إلا ان القرار يستثني شاحنات التموين و أن كل ماله علاقة بالطعام يمكنه المرور حتى لو كانت شحنة من العلك – سيحتاج الناس في هذه الأزمات إلى تفريغ طاقتهم بشيء ما –

و هكذا اصبحنا مدينة مستقلة بذاتها – نوعا ما – لدينا مركز تسوق وحيد يضم بعض المحلات ذات اسم معروف ..
لدينا بضعة سوبرماركتات , و الكثير من المطاعم و المقاهي .. و بضعة قرطاسيات , و سوق سمك و سوق خضار ..
و الكثير من السكان المستهترين ..

بعد اغلاق الدخول و الخروج .. عرفنا لأول مرة أننا كثر .. و أنه يمكننا ان نملأ الشوارع و الأسواق و المطاعم !
أعتقد ان كورونا لم يكن ينتقل عشوائيا في هذا الزحام .. حيث كانت لديه خيارات متعددة و لديه متسع من الوقت لينتقي و يختار الشخص المناسب للقضاء عليه !

و هكذا سيجد اي شخص عاقل , ان قرار الحكومة الاحترازي كان هدفه حصر الفايروس في مدينتي , و ذلك لأن سكان مدينتي مستهترين و ليس لديهم وعي كافي – هذا بالإضافة إلى ان عقولهم محشوة بالكثير من الخزعبلات المتوارثة , التي لن اكتبها و لن اتطرق للحديث عنها حتى لا يعثر عليها شخص ما بعد عشرات السنين و يصدقها –

ملاحظة مهمة : حين كتبت سكان مدينتي كنت اقصد  ( سكان مدينتي باستثناء شخص واحد .. لاداعي لذكر اسمها )

م 12

في الثامن من مارس 2020 و الذي كان يصادف يوم أحد ..

– أذكر هذا التاريخ لأغراض تاريخية ,  ليعرف الاشخاص الذين سيمرون من هنا بعد عشرين او اربعين عاما للتنقيب في الماضي –

بدأ الأمر بـ قرار تعليق الدراسة , و ذلك خوفا من انتشار فايروس يسمى ( كورونا )

و قبل ان نستوعب القرار صدر قرار آخر بـ إغلاق الدخول و الخروج من منطقتي !

و هكذا علقنا مع الفايروسات التي ترانا و لا نراها ! و بدأنا وسواس النظافة و التعقيم و غسل الايدي قبل الغسيل و بعده !

لم نعد نتصافح و نحتضن و نطبع قبلاتنا يمينا و يسارا كلما ألتقينا .. أصبحنا ننظر للآخر باعتباره كتلة من الفايروسات .. و في مرحلة متقدمة سنبدأ برؤية هالات وهمية تحيط بالأشخاص .. سيكون لونها أخضر كما أعتقد ! لأن جميع الرسمات التوضيحية لـ كورونا يظهر فيها بلون أخضر ..
و في حال لم تعثروا على صورة له في محرك البحث – هذا الكلام موجه للأجيال القادمة – فإن شكله يشبه كرة صغيرة عليها دبابيس من كل الجهات , و لا أعرف لماذا اتفق الأغلبية على رسمه باللون الأخضر !!

بعد صدور القرار الثاني , تدافع الناس إلى محلات التموين خوفا من نفاذ المخزون , و من الأمور الجيدة التي حصلت أن الناس قرروا فجأة ان عليهم اتباع نظام صحي لتقوية مناعتهم !

و يصدف أنني بدأت نظامي الصحي قبل ذلك بـ اسبوعين .. حين انضممت لمجموعة دعم تسعى للوصول إلى وزن مثالي ..
كنت اعد طبقا من السلطة , و امشي عشرة آلاف خطوة يوميا و امتنعت عن الحلويات .. لكنني مع ذلك لم افقد حتى جراما واحدا من وزني !

لذلك في الوقت الذي فكر فيه الجميع بـ اتباع نظام صحي .. فكرت أن علي ترك نظامي الصحي لأننا مقبلين على مرحلة مجهولة , و علينا أن نحاول الاستمتاع بها قدر الإمكان , و لا داعي لأن أكتب ان الطعام اللذيذ ذو الطعم الحلو الذي يذوب في الفم و يمنح السعادة هو مانحتاجه للحفاظ على لياقتنا النفسية .. لكنني مع ذلك كتبته و أنا أتخيل كوب كبير من ايسكريم باسكن بطعم التوفي الذي لايمكنني الحصول عليه الآن !

..  سأذكر أسباب ذلك لاحقا

– 41 –

كانت لدي فكرة ما , اردت كتابتها لك قبل ان تتبخر من رأسي ..

و كنت محتفظة بها و أحاول صياغتها بينما انتظر ان يستيقظ حاسوبي العجوز ..

لكنها تبخرت ما ان قرأت تنبيها على الشاشة أعتقد انه يفيد بوجود تحديث ما على بريدي الالكتروني ..

هذا الزمن سريع التغير فعلا !

ما أن تتأقلم على أمر ما حتى يصبح قديما .. و يجبروك على التأقلم مع التحديث الجديد !

من الذي سيعوضني عن وقتي الضائع للتعرف عليه !

من الذي سيعوضني عن فكرتي التي فقدتها بسبب هذا التنبيه المفاجئ !

ثم إن عليك ان تقتنع يقينا ان هذا التحديث يصب في مصلحتك !

و ان اولئك العباقرة الذين ابتكروا هذا التحديث ليرسلوا هذا التنبيه الذي يشتت تركيزك كانوا يفكرون فيك !

 

و لأنني تعرفت على التقنية في سن متأخر , أجد صعوبة في التكيف معها ..

حاولت يوما ان انضم إلى مواقع التواصل الاجتماعي , ثم اكتشفت أن هذا الأمر معقد و فوق مقدرتي !

أنا شخص بدائي , من الجيل القديم ..

ذلك الذي كان يقول ( أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة )

حتى جاء هذا الجيل الذي اثبت لنا أن الأصغر قد يكون هو الأعلم ..

و ان الأمثال الشعبية تحتاج إلى تحديث لتواكب هذا الزمن ..!

 

..

 

– 40 –

أخطر لك ذات مرة ان تضع طبختك على النار و تجلس لتراقبها ؟

أتعرف مالذي تمر به ؟

في البدء ستحاول ان تتحمل الحرارة .. ثم ستطلق بخارا فيما يشبه نداء استغاثة ..

ثم ستسمع صوت الغليان و ربما يبدأ الغطاء بالاهتزاز ايضا ..

و اخيرا حين تنفجر و ترى الفيضان ..

ستذهب مسرعا لتخفف عنها .. ستفتح الغطاء , ستخفف النار , ربما تخفف بعض السوائل و ربما تكون رحيما و تحركها بحنان ..

و حين تراها هدأت و ان وجودك لم يعد ضروريا , ستغادر !

و تطالبها بإكمال الطهو !!

و يظل القدر المسكين يتحمل الحرارة , و يكتم انفاسه , و يطهو طبختك لتستمتع بها !

 

لماذا لايخطر ببالك ان القدر لم يعد يملك طاقة للاستمرار ؟

و ان كل مايريده ان يبرد و يرتاح في الدولاب ..

و لماذا لم تسارع في التخفيف عنه مبكرا ؟ لماذا انتظرته لينفجر !

 

,

 

– 39 –

أعرف مالذي تفكر فيه بعد قراءة البريد السابق !

او على الأقل هذا ما فكرت به أنا !

لايمكنني الإلتزام بتسلسل تاريخي !

و أعتقد ان فكرة التسلسل التاريخي لم تكن فكرة صائبة من بدايتها !

ثم مالذي يفترض ان اخبرك به عن طفولتي !

لاشيء مهم .. عشت طفولة عادية تميل إلى التعاسة بعض الشيء ..

ككل الأطفال في العالم يتم تحريكهم من قبل ابويهم و يتم تجاهل مشاعرهم و رغباتهم ..

و ككل الأطفال الذين وجدوا انفسهم مع اخوة صغار كان عليهم ان يكبروا فجأة !

و لم احتج وقتا طويلا حتى ادركت ان حياتي معدة لي سلفا , و لايمكنني تعديل اي شيء فيها ..

اسمي , جنسي , جنسيتي , لغتي , ديانتي , ابواي , اخوتي , موقعي الجغرافي في العالم ..

كل شيء كان جاهزا لي , و أنا ولدت لأكمل الفراغ ! لأجمع شتات هذه الامور تحت اسم واحد , تحت عنوان !

العنوان ليست مفردة دقيقة , أعتقد ان العنوان أكبر مني !

له قيمة و له وظيفة هو اول ما يقرأ و هو مايعتمد عليه الكثيرون في اخذ الانطباع الأول ..

عليه أن يكون مركزا , مغريا , جذابا , واضحا .. و ثابتا في مكانه ..

 

أنا لست عنوانا ..

أنا شيء صغير جدا .. بالكاد يرى !

هامشا مدونا في اسفل الصفحة , يلجأ له الآخرون عند الحاجة , يمد يد العون و تتلاشى اهميته بعدها !

نعم .. أنا الهامش !

الهامش الذي دون في آخر صفحة من حياتي ..

  • للعلم : كانت فتاة و كان اسمها أحلام !

 

– 38 –

لدي قرابة الساعة من الهدوء التام الذي يمكنني أن افعل فيه ما اريد بحرية تامة ..

و غالبا ما يضيع في التفكير فيما سأفعله !

في هذا الوقت الضيق اريد ان استمع إلى اغنية و أن اشاهد فلما و أن أكتب لك !

أريد ان اشرب كوبا من الشاي و آكل بعض الايسكريم !

و بينما أحاول التركيز و فهم ما اريده بالضبط , تكون الساعة قد انقضت دون اي انجاز يذكر ..

و اجدني في السرير نمت دون اي مقدمات !

أتعرف ! لم يسبق لي ان شكوت من الأرق !

يبدو ان الأرق هو الوحيد الذي يشفق علي و يتجاوزني ..

هو الوحيد الذي يقدر جهودي و تعبي , و يتركني انام بهدوء ..

 

 

– 37 –

أتعرف ماهو الأسوأ من ألا يكون لديك اساس ثابت تبدأ به حياتك !

أن يلتصق بك اسم بلا معنى طوال حياتك التي لا اساس ثابت لها !!

أنا أحلام , أحلام ناصر !

ناصر هو أبي , ذلك الرجل البسيط الكادح الذي تزداد بشرته سمرة و أسنانه اصفرارا كلما تقدم به العمر , الرجل الذي لا يهمه ان اذاكر بقدر مايهمه ان يؤمن لي عشاءً ..

الرجل الذي نسف وجودي حين سألته يوما ماهي أحلامك .. و أجابني : لاشيء !

أنا أحلام …  أحلام ناصر .. الذي ليس لديه أحلام !!

 

يجردني هذا الاسم من كل أحلامي فمجرد التفكير في الموضوع يبدو خطأ ً مطبعيا كيف تقرأ ( أحلام أحلام ) دون ان يخطر لك انه كتب مرتين عن طريق الخطأ !

كيف لعقلي الصغير ان يمنطق هذه المعادلة الصعبة , ان يستوعبها و يتقبلها ..

وجدت لأكون أحلام شخص آخر .. شخص ليس لديه حتى حلم واحد !

 

و مما سبق يتضح لك كيف بدأت حياتي .. و لماذا اشعر أنني في ثقب أسود منذ الأزل ..,

 

 

 

– 36 –

بعد تفكير يعتبر طويل حسب مقاييسي , لم أعثر على بداية !

كل مايحدث في حياتي مرتبط بأمور أخرى , تنتهي جميعها بيوم ولادتي ..!

فأعتقد ان البداية الحقيقية كانت هناك , في ذلك اليوم , الذي لايمكنني حتى ان اخبرك تاريخه !

ولدت في الثاني و العشرون من سبتمبر او في الثالث و العشرون منه !

و ذلك لأنني ولدت في اللحظة الفاصلة بين اليومين , لحظة تغيير التاريخ , اللحظة التي اختفى فيها السحر عن سندريلا , اللحظة التي احتضنت العقارب الثلاثة بعضها البعض لتبدأ يوما جديدا ..

 

و هكذا علقت ليس فقط بين يومين عاديين .. إنما بين برجين فلكيين ..

في المنتصف تماما ! قبلي ستة ابراج و بعدي ستة ابراج !

و حتى هذه اللحظة لا أعرف ما إذا كنت من برج العذراء او برج الميزان !

و إذا كانت بداية حياتي غير واضحة و غير ثابتة .. فكيف لي ان اعثر على بداية واضحة أبدأ منها حكايتي !

 

 

– 35 –

هل سمعت عن الثقب الاسود ؟

أعتقد ان إجابتك ستكون نعم ! و ذلك لأنني دائما آخر من يعرف بالاشياء ..

و إذا ما قررت ان تسألني ماهو هذا الثقب الاسود ؟ او مالذي تعرفينه عنه ؟

سأقول لك .. لاشيء !!

أنا فقط سمعت اسمه و راق لي .. لكنني لم اجد متسعا في عقلي لمعلومات جديدة , لذلك تجاهلت البحث عنه !

لكن كائناتي الغير مرئية – سبق و اخبرتك عنهم – تحولوا فجأة لعلماء و قرروا التفكير في الثقب الأسود !

ليس الثقب الأسود الذي سمعت عنه .. إنما ثقب اسود آخر .. ثقب يبتلعني وحدي !

حفرة لا نهاية لها .. لا ترى قاعها لتعرف متى تصل ..

و لا ترى بدايتها لتعرف متى بدأت تغوص ..

 

أأخبرتك عن تاريخ ولادتي ؟

سأحاول أن اضع تسلسلا لهذه المذكرات .. لأبدأ بداية صحيحة ..

تمكنك من فهم الأمور بشكل افضل ..

سأعود قريبا لأكتب لك ..,

 

– 34 –

معظمنا يعتبر نفسه محور الكون , حتى و إن انكر ذلك !

و كي تختبر شخصا ما ابدأ بالحديث معه و استدرجه ليخبرك بتاريخ ما ..

ستجده يفشل بتذكر التاريخ و يؤرخ الاحداث بتاريخ مولده !

قامت تلك الحرب و عمره تسعة اعوام  .. و وضع اول حشوة في اسنانه و عمره احدى عشرة عام  ..

و لن يكلف نفسه عناء تذكر التاريخ , و لن يخطر بباله انه يحدث شخصا لم يولد معه في ذات السنة !

مع انه يستطيع ببساطة ان يضيف تلك السنوات لتاريخ مولده – التاريخ الوحيد الذي يعرفه – و يخبرك بالسنة , لكنه لن يفعل و يخسر امتيازه بأن يصبح محور الكون لبضعة ثواني .. بينما يرى نظرتك المحتارة المتفكرة لمعرفة تاريخ بداية الكون !